أحمد بن محمد القسطلاني

258

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

عليه بعض أهل الشرك ، من إضافة المطر إلى النوء ، وأن المطر كان من أجل أن الكوكب ناء أي : سقط وغاب ، أو نهض وطلع ، وأنه الذي هاجه ( فذلك كافر بي ) لأن النوء وقت ، والوقت مخلوق ولا يملك لنفسه ولا لغيره مشيئًا ( مؤمن بالكوكب ) . ومن قال : مطرنا في وقت كذا فلا يكون كفرًا ، قال الإمام الشافعي وغيره : من الكلام أحب إليّ ، يعني : حسمًا للمادة ، فمن زعم أن المطر يحصل عند سقوط الثريا مثلاً ، فإنما هو إعلام للوقت والفصول ، فلا محذور فيه ، وليس من وقت ، ولا زمن إلا وهو معروف بنوع من مرافق العباد يكون فيه دون غيره . وحكي عن أبي هريرة : أنه كان يقول : مطرنا بنوء الله تعالى . وفي رواية : مطرنا بنوء الفتح ، ثم يتلو { مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا } [ فاطر : 2 ] . وقال ابن العربي : أدخل الإمام مالك هذا الحديث في أبواب الاستسقاء ، لوجهين : أحدهما : أن العرب كانت تنتظر السقيا في الأنواء ، فقطع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، هذه العلاقة بين القلوب والكواكب . الوجه الثاني : أن الناس أصابهم القحط في زمن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، فقال للعباس ، رضي الله عنه : كم بقي من أنواء الثريا ؟ فقال له العباس : زعموا ، يا أمير المؤمنين ، أنها تعترض في الأفق سبعًا ، فما مرّت حتى نزل المطر . فانظروا إلى عمر ، والعباس ، وقد ذكر الثريا ونوأها ، وتوكفا ذلك في وقتها . ثم قال : إن من انتظر المطر من الأنواء على أنها فاعلة له من دون الله فهو كافر ، ومن اعتقد أنها فاعلة بما جعل الله فيها فهو كافر ، لأنه لا يصح الخلق ، والأمر إلا لله ، كما قال الله تعالى : { أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ } [ الأعراف : 54 ] . ومن انتظرها وتوكف المطر منها على أنها عادة أجراها الله تعالى ، فلا شيء عليه ، لأن الله تعالى قد أجرى العوائد في السحاب والرياح والأمطار ، لمعان ترتبت في الخلقة ، وجاءت على نسق في العادة . اه - . وقوله : كذا وكذا . . . هنا ، كلمة مركبة من : كاف التشبيه وذا للإشارة ، مكنيًا بها عن العدد ، وتكون كذلك مكنيًا بها عن غير عدد ، كما في الحديث : " إنه يقال للعبد يوم القيامة أتذكر يوم كذا وكذا ، فعلت كذا وكذا . . . " . وتكون أيضًا كلمتين باقيتين على أصلهما من : كاف التشبيه وذا للإشارة ، كقوله : رأيت زيدًا فاضلاً ، ورأيت عمرًا كذا . وتدخل عليها : هاء التنبيه كقوله تعالى : { أَهَكَذَا عَرْشُكِ } [ النمل : 42 ] فهذه الثلاثة الأوجه المعروفة في ذلك . ووجه المطابقة بين الترجمة والحديث من جهة أنهم كانوا ينسبون الأفعال إلى غير الله تعالى ، فيظنون أن النجم يمطرهم ويرزقهم ، فنهاهم الله تعالى عن نسبة الغيوث التي جعلها الله تعالى حياة لعباده وبلاده إلى الأنواء ، وأمرهم أن يضيفوا ذلك إليه لأنه من نعمته عليهم ، وأن يفردوه بالشكر على ذلك . ولما كان هذا الباب متضمنًا أن المطر إنما ينزل بقضاء الله وأنه لا تأثير للكوكب في نزوله ، وقضية ذلك أنه لا يعلم أحد متى يجيء المطر إلا هو ، عقب المصنف رحمه الله هذا الباب بقوله . 29 - باب لاَ يَدْرِي مَتَى يَجِيءُ الْمَطَرُ إِلاَّ اللَّهُ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ » . ( باب ) بالتنوين ( لا يدري ) أحد ( متى يجيء المطر إلا الله ) تعالى . ( وقال أبو هريرة ) رضي الله عنه : ( عن النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) في سؤال جبريل عليه السلام إياه عن الإيمان والإسلام : ( خمس لا يعلمهن إلا الله ) . رواه المؤلّف في الإيمان ، وتفسير لقمان ، لكن بلفظ : في خمس . 1039 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « مِفْتَاحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ اللَّهُ : لاَ يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي غَدٍ ، وَلاَ يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي الأَرْحَامِ ، وَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا ، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ، وَمَا يَدْرِي أَحَدٌ مَتَى يَجِيءُ الْمَطَرُ » . [ الحديث 1039 - أطرافه في : 4627 ، 4697 ، 4778 ، 7379 ] . وبالسند قال : ( حدّثنا محمد بن يوسف ) الفريابي ( قال : حدّثنا سفيان ) الثوري ( عن عبد الله بن دينار عن ) عبد الله ( بن عمر ) بن الخطاب ، رضي الله عنهما ( قال : قال رسول الله ) ولأبي الوقت في نسخة ، وأبي ذر ، وابن عساكر : النبي ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مفتاح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله ) قال الزجاج : فمن ادعى علم شيء منها فقد كفر بالقرآن العظيم . والمفتاح ، بكسر الميم وسكون الفاء ، وللكشميهني : مفاتح بوزن مساجد . أي : خزائن الغيب ، جمع مفتح الميم . وهو المخزن . ويؤيده تفسير السدي فيما رواه الطبري قال : مفاتح الغيب : خزائن الغيب ؛ أو المراد : ما يتوصل به إلى المغيبات مستعار من المفاتح الذي هو جمع مفتح ، بالكسر ، وهو المفتاح . ويؤيده قراءة ابن السميقع { وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ } [ الأنعام : 59 ] والمعنى : إنه الموصل إلى المغيبات ، المحيط علمه بها ، لا يعلمها إلا هو ، فيعلم أوقاتها وما في تعجيلها وتأخيرها من الحكم ، فيظهرها على ما اقتضته حكمته ، وتعلقت به مشيئته . والحاصل أن المفتاح يطلق على ما كان